الشيخ محمد إسحاق الفياض

81

المباحث الأصولية

بدعوى ان مقتضى اطلاقات الأدلة جريان القاعدتين مطلقاً ، بلا فرق بين ان يحتمل المكلف انه حينما كان يعمل اذكر منه حينما يشك ، أو لا يحتمل ، فإنها باطلاقها تدل على جريانهما في كلتا الصورتين ، هذا . والصحيح هو القول الأول ، والنكتة في ذلك ، ان قاعدة الفراغ وقاعدة التجاوز من القواعد العقلائية الارتكازية ، وليست من القواعد التعبدية المحضة ، ومن الواضح ان بناء العقلاء على شيء لا يمكن ان يكون تعبدياً ، ضرورة ان التعبد انما هو في الاحكام الشرعية ولا يتصور التعبد في بناء العقلاء وعملهم ، إذ لا يمكن عمل العقلاء بشيء بدون ان يعرفوا أسبابه ودواعيه التي دعتهم إلى العمل به ، ضرورة انه لا يمكن ان يعمل عاقل بشيء بدون ان يعرف سببه ، وما هو الداعي إلى العمل به ، ولهذا قلنا إنهما من الأمارات ، فان المصلي إذا دخل في الصلاة بنية الامتثال والطاعة واداءاً لحق العبدوية ، فاحتمال انه ترك جزءاً منها أو شرطا عامدا عالماً خلف فرض انه في مقام الامتثال والطاعة ، واحتمال انه ترك جزءاً أو شرطا منها غفلة أو سهوا أو نسيانا خلاف الأصل العقلائي ، وهو اصالة عدم الغفلة والسهو والنسيان ، إذ احتمال ان هذا الفعل صدر من الفاعل المختار الملتفت سهوا أو غفلة خلاف الأصل العقلائي فلا يعتني به . وعلى هذا ، فالروايات الدالة على هاتين القاعدتين بمناسبة الحكم والموضوع الارتكازيه انما هي في مقام امضائهما وتقريرهما من قبل الشرع لا في مقام تأسيسهما وجعلهما ابتداءاً ، ومن هنا لا تكون دائرة مدلول هذه الروايات أوسع من دائرة بناء العقلاء ، باعتبار ان مدلولها امضاء هذا البناء لا حكم ابتدائي ، لوضوح ان العرف لا يفهم من قوله عليه السلام : « كل ما مضى من صلاتك وطهورك فامضى كما هو » ومن قوله عليه السلام : « كل ما شككت فيه مما قد مضى كما هو » .